الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
49
نفحات الولاية
بائنٌ » ، وبالنظر إلى أنّ الذات اللهية منزهة عن المكان والزمان فان هذين الوصفين يعدان من النتائج الحتمية . فليس هنالك من موضع يحتاج إليه ويحل فيه من تنزهت ذاته وفاقت الزمان والمكان ، ومن هنا يتعذر تصور البعد والقرب عليه سبحانه ، فكل هذه الأمور إنما تصدق على الأشياء المحدودة ، فإذا حلت في مكان قربت من شئ وبعدت عن آخر ، أما الذات الإلهية المقدسة فهي مطلقة لامتناهية حاضرة في كل مكان وهى قريبة من كل شئ ولا يحويها مكان ؛ الأمر الذي ورد في القرآن : « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) « 1 » وجاء فيه أيضاً ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ » « 2 » وكذلك « وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ » « 3 » . ومن الواضح أن لهذه الصفات الكمالية أثرها البالغ في تربية الإنسان ، حيث يرى اللَّه سبحانه معه أينما كان فيتحرج من مقارفة الذنب والمجاهرة بالمعصية . ثم قال عليه السلام : « لم يؤده خلق ما ابتدأ ، ولا تدبير ما ذرأ ، ولا وقف به عجزٌ عمّا خلق » فقد أشارت العبارة إلى بعض الأمور المهمة التي تعود جميعاً إلى قدرته الأزلية . الأول أنّ الخلق الأول الذي يتطلب قدرة أكثر لم يشق عليه سبحانه ( لم يؤده من مادة أود على وزن عود بالفتح يعني الثقل ) ، والاخر أن ربوبية الخلق وتدبير شؤونه لم يخلق له أية صعوبة أو مشكلة ، وأخيرا أن قدرته لم تنفد من جراء خلقه لكل هذا الخلق ، بل له أن يخلق مالا نهاية من العوالم بقوله : « كن » « إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » « 4 » . ويمكن أن يكون للعبارة الأخيرة معنى آخر وهو أن خلق هذه المخلوقات لم يعجزه عن إدارتها ؛ وتكون العبارة في هذه الحالة تأكيد لما ورد في العبارة السابقة . وهذه الصفات هي الأخرى نابعة من ذاته اللامتناهية ؛ لأنّ العجز والتعب والثقل إنّما يصدق على الذات المحدودة القدرة التي تسعى للقيام بما يفوق
--> ( 1 ) سورة الحديد / 4 . ( 2 ) سورة ق / 16 . ( 3 ) سورة البقرة / 115 . ( 4 ) سورة يس / 82 .